الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

77

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

استحضار أذهانهم . والأمر بالدخول أمر بالسعي في أسبابه ، أي تهيّئوا للدخول . والأرض المقدّسة بمعنى المطهّرة المباركة ، أي الّتي بارك اللّه فيها ، أو لأنّها قدّست بدفن إبراهيم - عليه السلام - في أوّل قرية من قراها وهي حبرون . وهي هنا أرض كنعان من برية ( صين ) إلى مدخل ( حماة وإلى حبرون ) . وهذه الأرض هي أرض فلسطين ، وهي الواقعة بين البحر الأبيض المتوسّط وبين نهر الأردن والبحر الميت فتنتهي إلى ( حماة ) شمالا وإلى ( غزّة وحبرون ) جنوبا . وفي وصفها ب الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ تحريض على الإقدام لدخولها . ومعنى كَتَبَ اللَّهُ قضى وقدّر ، وليس ثمّة كتابة ولكنّه تعبير مجازي شائع في اللّغة ، لأنّ الشيء إذا أكده الملتزم به كتبه ، كما قال الحارث بن حلّزة : وهل ينقض ما في المهارق الأهواء فأطلقت الكتابة على ما لا سبيل لإبطاله ، وذلك أنّ اللّه وعد إبراهيم أن يورثها ذرّيته . ووعد اللّه لا يخلف . وقوله : وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ تحذير ممّا يوجب الانهزام ، لأنّ ارتداد الجيش على الأعقاب من أكبر أسباب الانخذال . والارتداد افتعال من الردّ ، يقال : ردّه ، فارتدّ ، والردّ : إرجاع السائر عن الإمضاء في سيره وإعادته إلى المكان الذي سار منه . والأدبار : جمع دبر ، وهو الظهر . والارتداد : الرجوع ، ومعنى الرجوع على الأدبار إلى جهة الأدبار ، أي الوراء لأنّهم يريدون المكان الذي يمشي عليه الماشي وهو قد كان من جهة ظهره ، كما يقولون : نكص على عقبيه ، وركبوا ظهورهم ، وارتدّوا على أدبارهم ، وعلى أعقابهم ، فعدّي ب عَلى الدالّة على الاستعلاء ، أي استعلاء طريق السير ، نزّلت الأدبار الّتي يكون السير في جهتها منزلة الطريق الّذي يسار عليه . والانقلاب : الرجوع ، وأصله الرجوع إلى المنزل قال تعالى : فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ [ آل عمران : 174 ] . والمراد به هنا مطلق المصير . وضمائر فِيها و مِنْها تعود إلى الأرض المقدّسة . وأرادوا بالقوم الجبّارين في الأرض سكّانها الكنعانيين ، والعمالقة ، والحثيين ، واليبوسيين ، والأموريين . والجبّار : القوي ، مشتقّ من الجبر ، وهو الإلزام لأنّ القويّ يجبر النّاس على ما يريد . وكانت جواسيس موسى الاثنا عشر الّذين بعثهم لارتياد الأرض قد أخبروا القوم